محمد باقر الوحيد البهبهاني
مقدمة 19
مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع
ومنها : كشف ملاكات الأحكام حيث أنّ علماء الإماميّة والمعتزلة - المعبر عنهم ب : العدليّة - خلافا للأشاعرة ذهبوا إلى أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للملاكات والمناطات الواقعيّة ونفس الأمريّة ، ولا يمكن للشارع المقدّس أن يقرّ حكما لموضوع بدون ملاك واقعيّ له ، لما يلزم من قبول هذا الأمر من إنكار لحقائق الأشياء ، وتسليم التغيّر في الحقيقة الثابتة ، مع أنّ الواقع الخارجي للأشياء يمكن أن يكون معرضا للحوادث الزمانيّة والمكانيّة ويتغيّر بخلاف حقيقة الأشياء وماهيّتها . مثلا السرقة والتصرّف في مال الغير بدون رضاه مذموم وقبيح على أيّ حال ، وفي كلّ زمان ومكان . ولذا كان القبيح الذاتي محكوما بالحكم الشرعي التحريمي . فلو وصل المجتهد بالطرق المقرّرة إلى الحكم الواقعي للشارع المقدّس كان مصيبا ، ولو اشتبه كان مخطئا لأنّ حقيقة الحكم الإلهي لا تتغيّر بحسب فتواه . كي يقال : إنّ المجتهد مصيب على كلّ حال ، وإنّ فتواه وحكمه حكم القانون الإلهي . وكلّ ما أفتى به هو - وإن كان قبيحا - كان حسنا ، وكذا العكس . فالمجتهد عند الإماميّة مستنبط وكاشف لا مشرّع ومقنّن ، وهو يمكن أن يصل إلى واقع حكم اللَّه تعالى وقد يخطئ ، كلّ ذاك خلافا لما ذهب إليه الأشاعرة من القول بكون المجتهد على كلّ حال مصيبا . أي إنّ حكمه هو الحكم الواقعي للشارع . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ذهبوا إلى أنّ الحسن ما حسّنه الشارع والقبيح ما قبّحه ، ففي الواقع قد جوّزوا أن يكون موضوعا واحدا له عدّة أحكام في آن واحد بحسب تعدّد الفتوى عليه ، وكلَّها صحيحة ومصابة ! وهذا ما يخالف بداهة العقل وما أقرّته الشرائع السماويّة . هذا مع أنّ ثبوت الشرايع الإلهيّة أساسا موقوف على قبول الحسن والقبح